محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

50

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الفصل التاسع في العموم والخصوص والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ إنّ العموم والخصوص لا يرجعان إلى الألفاظ من حيث هي حروف وأصوات ، بل من حيث إنّها دالّة على معانيها بالوضع أو الاصطلاح في الأذهان والأعيان . فالعموم والخصوص إذا في الأذهان والأعيان ؛ والعموم بالأذهان أولى ، والخصوص بالأعيان أولى . وما من لفظ عامّ في القرآن إلّا وقد دخله التخصيص وما من تخصيص إلّا وقد قارنه التشخيص . فأمّا تخصيص العمومات ، فمثل قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ؛ وهو خطاب عامّ لجميع الناس ، ومن ينطلق عليه اسم الإنسانية . ثمّ لم يمكن إجراؤه على عمومه ؛ لأنّ المجنون والصبيّ إنسان ، ولم يتناوله الخطاب ؛ فوجب تخصيص اللفظ العامّ بمن له عقل كامل ، والمجنون ليس بعاقل ، والصبيّ ليس بكامل . وأمّا تشخيص المخصوصات فممّا أغفلها كثير من أهل العلم ؛ فإنّ « الناس » قد خصّص بالمكلّفين ، وقد يشخّص بجماعة مخصوصين : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ، والتكليف بالإفاضة على ناس مخصوصين ، و « من حيث أفاض الناس » هم قوم غير أولئك المكلّفين ، هم الهداة المهديّون ؛ فتخصّص منهم أيضا شخص واحد ، هو « الناس » : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ قيل في التفسير هو محمّد - صلّى اللّه عليه وآله - وذلك هو تشخيص الخاصّ ؛ ونسبته « 1 » إلى الأشخاص نسبة الخصوص إلى العموم . ومن ذلك القبيل قوله تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ وذلك عامّ لا عموم فوقه ، ثمّ خصّ الرحمة بقوم ، فقال : فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ « 2 » الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ ثمّ خصّها بقوم ، فقال : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ثمّ تشخّصها بشخص مخصوص هو « الرحمة » : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ؛ ومن ذلك القبيل قوله تعالى : آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ * وهو إشارة إلى عموم الربوبية لجميع العالمين . ثمّ قال

--> ( 1 ) . س : سببه . ( 2 ) . س : + له .